السيد محمد حسين فضل الله
14
من وحي القرآن
التي تتحدث عن التبديل بعد الموت ، باعتبار أن التصرف من صلاحية الوصي . أمّا حالة ما قبل الموت ، فلا يملك الوصي أيّة صلاحية فيها . ولكن دراسة الآية بدقة ، توحي بالمعنى الأول ، لأنها واردة في تخطيط خط الوصية في ما هو تكليف الموصي في ما ينبغي أن يوصي به مما لا يتناسب مع خط الجور أو الظلم ، فإذا انطلق في هذا الاتجاه الذي يثير الخصومة والنزاع ، فإن للوصي - باعتبار علاقته الأكيدة بالموضوع لأنها مهمته في المستقبل - أن يتدخل للإصلاح من موقع الإصلاح ، لا من موقع السلطة ليقال - كما سبق - إنه لا يملك صلاحية في الموضوع . وهذا التفسير هو المروي عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السّلام في ما ذكره صاحب مجمع البيان « 1 » . . . وقد جاء في كلمة الإمام علي عليه السّلام في نهج البلاغة : « يا بن آدم كن وصيّ نفسك واعمل في مالك ما تؤثر أن يعمل فيه من بعدك » « 2 » . إنها توحي بأن الإنسان قد يفكر بالخير في وصيته بماله بعد الوفاة سواء أكان ذلك في ما يتعلق بقضاياه الخاصة في عباداته أو معاملاته أو صدقاته ، أم في ما يتعلق بالآخرين ، وهذا عمل جيّد يدلّ على روح الخير في نفسه . ولكن هناك مسألة مهمّة في عمق القيمة الروحية الأخلاقية في النظرة الواقعية إلى الأمور ، فإنه عندما كان يوصي بماله بعد الموت ، كان يودّع الحياة ويبتعد عن كل علاقة له بالمال ، مما لا يجعله يواجه تضحية كبري بإنفاقه في الخير لنفسه أو للآخرين ، ولكنه عندما ينفقه في الحياة مع امتداد الأمل بالبقاء ، فإنه يضحي به في الوقت الذي تكبر حاجته إليه ويعيش الارتباط به ، الأمر الذي يؤكد عمق القيمة الإيمانية الروحية في الإخلاص للّه في عمله .
--> ( 1 ) الطبرسي ، أبو علي ، الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، بيروت - لبنان ، ط : 1406 ه - 1986 م ، ج : 1 ، ص : 485 . ( 2 ) ابن أبي طالب ، الإمام علي عليه السلام ، نهج البلاغة ، قصار الحكم / 254 .